ماذا لو أنني - أو أنت أو أي أحد آخر - فعلنا مافعله زميلي دكتور محمد الباز؟
ماذا لو خرجنا على الناس في بث تليفزيوني لنعلن "نحن" أن الدكتور مصطفى النجار قتل؟ هل كان ممكنّا أن يمر الأمر مرور الكرام .. من دون حساب أو مساءلة عن مصدر هذه المعلومات؟ وهل هي موثوقة أم اجتهادات أم "ترويج لشائعات كاذبة"؟! هل يحق لنا ما رأى إنه حق له، بحيث يخرج بكل هذه الثقة ليدلي على الهواء بمثل هذه المعلومات؟ هل أسندت مناصب قضائية للباز من دون أن نعلم؟ ألا يجب أن يأتي هذا الإعلان من سلطة الدولة وجهازها القضائي؟!
في يقيني أن هذا الإعلان يُحْظَر على الأفراد مهما كانت مهماتهم ومكانتهم أو اقترابهم من السلطة، ولو أن صاحبه يمتلك بالفعل أدلة على مقتل الرجل لكان واجبًا أن يذهب بها إلى سلطات التحقيق.. ولا يوجد من هو أعلى في هذا الأمر من سيادة النائب العام . أو على الأقل يذهب بمعلوماته الي قسم التحقيقات بوزارة الداخلية، وهذه هي الجهات -في اعتقادي- المخولة بالإعلان عن مثل هذه الحوادث. فلو أن أحدهم قتلني وشاهد مقتلي محمد الباز نفسه، فإنه لا يملك أن يستبق سلطات التحقيق المنوط بها الإعلان الرسمي عن الجريمة! لا يحق له أن يدلي بالخبر الرئيسي إلا بعد إبلاغ السلطات وانتظار تحقيقاتها، وبعد ذلك يمكنه إن يذيع شهادته أو "سبقه" الإعلامي!
القدر وحده صاحب الكلمة الأعلى في الحياة والموت. مصير رئيس حزب العدل والمعارض المعروف الدكتور مصطفى النجار - وأنت وأنا وهو- لايحدده إنسان مثلنا. حيا أو ميتا هو بين يدي خالقه. لايملك له أحد ضرّا أو نفعّا. اما إن كان حياّ فهي مسؤولية الدولة وليست د. محمد الباز ولا أنا ولا أي مواطن آخر! لا اعرف كيف فعلها محمد الباز.. وكيف سُمِح له أن يفعلها. لا نحاكم هنا النجار ولا نحاكم أحدا.. حتى الباز نفسه، وانما نتساءل فقط بعد أن إمتلأ فضاء الأخبار بقضايا يحاكم فيها عدد من الصحفيين، الذين يسقطون في فخ قضية "ترويج الشائعات الكاذبة"!
لو أنني مثلا التقيت أحدا ادعى اقترابه من السلطه بقدر ما، وأبلغني أن مصطفي النجار قتل وهو يهرب عند الحدود، فماذا يسمى هذا وما الذي يعنيه؟ حتى إذا كان الخبر صحيحا وأنا لا أملك الجثة أو صورة القتل أو أدلة علي القتل أو أشاهد الواقعة - وحتى لو امتلكت كل هذا - هل يكون إعلاني عنها طبيعيا في ظل الملاحقات واتهامات الآخرين بترويج شائعات كاذبة!
هل يمكن لأحد أن يلعب دور المدعي العام وهو مجرد صحفي أو مذيع تليفزيوني؟ هل يمكن لصحفي أن يحل - في الإعلان عن مقتل شخص ما - محل السيد النائب العام أو سلطات التحقيق في وزارة الداخلية؟
لماذا يحق لمحمد الباز ما لا يحق لغيره؟! لماذا ترك يعلن ما أعلنه عن مصطفى النجار من دون أن يقول له أحد انت فين؟ إذا كان النجار قد تمت تصفيته آثناء محاولته الهروب عند الحدود مع السودان، فمن الذي قام بذلك؟ ومن المسؤول وأين ذهبت الجثة؟ ولماذا لم يتم إخطار أسرته؟ أليس له زوجة من حقها أن تعرف كيف ستكمل حياتها من دونه؟ أليس له أولاد ينتظرون عودته ويترقبون أي أخبار عن عودته؟ هب أن النجار شخص "وِحْش"، هل نتعامل مع وفاته بهذه الطريقة؟!
أيها الأصدقاء: للموت جلاله.. ومقام الرحيل إلى الخالق الأعلى جل جلاله، لايجوز التعامل معه كل بطريقته.. فهذا يعلن بهدوء وكآنه أمر طبيعي آن فلانا قتل!! والله إن محمد الباز إذا أصابه مكروه - لاقدر الله - فإنه حتى المخالفين له في الأسلوب والتفكير سيحترمون جلال ومقام القدر و ما تعرض له. صحيحٌ أن هناك دوما شامتون.. وهؤلاء مرضى نفسيين لايعول عليهم.. فهم الاستثناء الذي لايخرق قاعدة الخير الباقي في أمة الإسلام !
كيف يقتاد صحفيون مهمتهم الإخبار والإعلان عن مواضع الأخطاء، ويسلطون الأضواء على العيوب والأخطار والفساد والأساليب الخاطئة (ومستقر قضائيا إن الصحفي ليس ملزمّا بأن يمسك في يديه بمستندات تدل على ذلك، لأنه يتعذر عليه الحصول عليها من مصادرها الذين يحجبونها، وإنما يكفي أن يشير إليها، وهذا ما نعرفه من نصوص القانون (ولا ندري إن كانت هناك متغيرات طرأت على هذا النص) فيحقق معهم في بلاغات من موظفين في وزارات (كما في السياحة والآثار) أو وحدات محلية (الواقعة الشهيرة الخاصة بأكوام الزبالة في احدي القرى) أو ماحدث للزميل إحمد رفعت (في بلاغ شعبة الفراخ).. لكن الإعلان عن جريمة قتل وتصفية شخص ما.. مصطفى النجار أو غيره.. يواجه بهذا السكوت ويمر مرور الكرام - وأنا هنا لا أستعدي أحدًا عليه.. مطلقا - لكني اتساءل.. فقط أتساءل.. والتساؤلات تنفع المسؤولين!
----------------------------------
بقلم: محمود الشربيني







